فخر الدين الرازي
13
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : احتج بعض أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير خالق لأفعال نفسه فقال : إنه تعالى ميز نفسه عن سائر الأشياء التي كانوا يعبدونها بصفة الخالقية لأن قوله : * ( أفمن يخلق كمن لا يخلق ) * الغرض منه بيان كونه ممتازاً عن الأنداد بصفة الخالقية وأنه إنما استحق الإلهية والمعبودية بسبب كونه خالقاً ، فهذا يقتضي أن العبد لو كان خالقاً لبعض الأشياء لوجب كونه إلهاً معبوداً ، ولما كان ذلك باطلاً علمنا أن العبد لا يقدر على الخلق والإيجاد قالت المعتزلة الجواب : عنه من وجوه : الوجه الأول : أن المراد أفمن يخلق ما تقدم ذكره من السماوات والأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والنجوم والجبال كمن لا يقدر على خلق شيء أصلاً ، فهذا يقتضي أن من كان خالقاً لهذه الأشياء فإنه يكون إلهاً ولم يلزم منه أن من يقدر على أفعال نفسه أن يكون إلهاً . والوجه الثاني : أن معنى الآية : أن من كان خالقاً كان أفضل ممن لا يكون خالقاً ، فوجب امتناع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية ، وهذا القدر لا يدل على أن كل من كان خالقاً فإنه يجب أن يكون إلهاً . والدليل عليه قوله تعالى : * ( ألهم أرجل يمشون بها ) * ( الأعراف : 195 ) ومعناه : أن الذي حصل له رجل يمشي بها يكون أفضل من الذي حصل له رجل لا يقدر أن يمشي بها ، وهذا يوجب أن يكون الإنسان أفضل من الصنم ، والأفضل لا يليق به عبادة الأخس ، فهذا هو المقصود من هذه الآية ، ثم إنها لا تدل على أن من حصل له رجل يمشي بها أن يكون إلهاً ، فكذلك ههنا المقصود من هذه الآية بيان أن الخالق أفضل من غير الخالق ، فيمتنع التسوية بينهما في الإلهية والمعبودية ، ولا يلزم منه أن بمجرد حصول صفة الخالقية يكون إلهاً . والوجه الثالث في الجواب : أن كثيراً من المعتزلة لا يطلقون لفظ الخالق على العبد . قال الكعبي في " تفسيره " إنا لا نقول : إنا نخلق أفعالنا : قال ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها الله تعالى كقوله : * ( وإذا تخلق من الطين كهيئة الطير ) * ( المائدة : 110 ) وقوله : * ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) * ( المؤمنون : 14 ) . واعلم أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد ، حتى أن أبا عبد الله البصير بالغ وقال : إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى الله مجاز ، لأن الخالق عبارة عن التقدير ، وذلك عبارة عن الظن والحسبان ، وهو في حق العبد حاصل وفي حق الله تعالى محال . واعلم أن هذه الأجوبة قوية والاستدلال بهذه الآية على صحة مذهبنا ليس بقوي ، والله أعلم . أما قوله تعالى : * ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما بين بالآية المتقدمة أن الاشتغال بعبادة غير الله باطل وخطأ